نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

ليلةٌ لا تُنسى ...!!
22-8-2016 1589   
   
عدد مرات التحميل : 85

ليلةٌ لا تُنسى ...!!

ليلةٌ لا تُنسى ...!!

لا أدري من أين أبدأ..
ولكن .. أجد أنَّ عليَّ أن أبدأ من حيث كانت بداية الطريق إلى
المأساة.. فهذا اليوم لا أستطيع أن أنساه.. هو كالأمس فقط،
رغم مرور عدة سنوات عليه ... قد تصل إلى ثماني سنوات...
في هذا اليوم، لم أكن أعلم ما هو المسحوق الأبيض؟
 وما
هي خطورته؟ وإلى أين يأخذ الإنسان؟
لا أعرف شيئاً عن ذلك الساحق اللعين؟
لقد كنت في مدينة إسطنبول، وفي أحد فنادقها الفاخرة، جاءتني فتاة تركية - بعدما رأت عليَّ علامات التعب والإرهاق -
فقدَّمت لي هذا المسحوق..  وطلبت مني أن أستنشقه..
وقالت لي: سوف يجعلك
كالفراشة..  لم أكن أعلم خطورة ما أفعل، أخذته.. وفعلت كما طلبت مني،
ولا أدري
هل أصبحت: كالفراشة أم كالحمار؟؟!!!
ثم أعطتني كيساً من هذا المسحوق
لأستعمله وقتما أحتاجه .
ومن هنا .. بدأت الكارثة..
ومنذ تلك اللحظة تغيَّرت حياتي نحو الجحيم..
فلقد تمكَّن مني .. ولم أعد قادراً على مقاومته.
أنا... شاب من أسرة فقيرة... والدي كان فلاحاً

بسيطاً.. ولي سبعة إخوة.. نعيش تحت مظلة

من الإيمان والحب والعطاء... كانت ثمار هذه

المظلة شقيقي الأكبر.. وأنا.. وطبيبٌ هو أخي

الأصغر.. وأربع زوجات هنَّ بقية أخواتي.

أنا أعمل مضيفاً بإحدى شركات الطيران العربية..

شقيقي الأكبر يؤدي الصلاة، يحفظ القرآن الكريم،

وأعتبره قدوة لي.
تزوجت امرأة من بيت طيب، والدها رجل من علماء الدين...

لذلك كنت سعيداً بزوجتي الفاضلة المؤمنة... قام والدها

بتأثيث المنزل.. وأصبح لدينا بيت جميل... وزادت سعادتنا

مع قدوم طفلي الأول.. ثم ازدحم البيت بمقدم ابنتي..
 ولاأدري.. لقد أحببت هذه الطفلة
حباً كبيراً.

كل هذا كان قبل لقاء إسطنبول الذي تحدثت عنه.. عشنا سنوات

في سعادة منقطعة النظير. بل أضيف.. لم يكن سراً أنَّني استطعت

توفير عدة آلاف من الدولارات، أودعتها في أحد البنوك الإسلامية

لاستثمارها، ورصدتها لزواج طفلتي عندما تُصبح شابة... ويتقدم

إليها الشبان ... وأختار منهم من هو أصلح لها ديناً واستقامة.

كانت أحلاماً رائعة.. عشت فيها أنا وزوجتي..
 وزادتنا هذه الأحلام حباً
وسعادة واستقراراً...
ثم كانت ليلة إسطنبول التي لا تُنسى...


بعد أن استنشقت السم الأبيض ..  لم أشعر..
 ما إذا كنت فراشة أو حماراً
 .. ورحت في سُباتٍ عميق ..
بعدها استيقظت من النوم.. وبي إحساس رهيب بالكسل ..
وإرهاق أشد.. وبودي أن أنام حتى الموت..
 ولكني كنت مرتبطاً بموعد
إقلاع الطائرة..
 ولا أدري لماذا مددت يدي إلى هذا المسحوق الملعون
..
وتناولت كمية منه..
أشعر الآن بالندم حتى نخاع عظامي ... لماذا لم أُلق به من نافذة
الفندق؟ لو فعلت ذلك.. لما حدث لي كل ما حدث..
ولكن.. نفسي
الضعيفة جعلتني أضع هذا
المسحوق في حقيبتي وأطير به  أسرعت إلى إدارة الشركة .. وتمالكت نفسي ..
 وتمكنت من وضع اسمي
في هيئة الطائرة المتجهة إلى إسطنبول. لم أعثر على تلك الفتاة..
ولكني لم أجد صعوبة في الحصول على هذا المسحوق.
 تناولت هذه
المرة كمية كبيرة..
فلقد كنت أشعر أنَّ
جسدي في حاجة إليه...
وفي طريق العودة، والطائرة فوق السحب، وأحد الركاب يناديني، لا أسمعه، أو أسمعه ولا أشعر باهتمام
أو اكتراث لما يقول..
وتزامن مرور قائد الطائرة، ونظر إليَّ مليّاً،
وقال:
( أأنت مدمن؟)
فرددت عليه: ما معنى مدمن؟ وأي إدمان تتحدث عنه؟
قال
:هل تتناول مخدرات؟ فنفيت ذلك بشدة.. وأخبرت القائد
بأنني مريض بعض الشيء، فلم أنم ليلة أمس من آلام مبرحة في
معدتي، واستدعيت طبيب الفندق فأعطاني عدة أدوية حتى أتمكن
من الوصول إلى الطائرة. فصدَّقني، وطلب مني الجلوس في مقعدي، وما إن جلست حتى رحت في نوم عميق..
استيقظت على وصول الطائرة أرض المطار.. وتمالكت نفسي، ونزلت من الطائرة، ولكن كلمة القائد ما زالت
ترن في أذني: “ أأنت مدمن؟”..
لأول مرة أدركت أنَّني دخلت دائرة الإدمان الخطرة.
عُدت إلى البيت.. بعد أن حصلت
على إجازة لمدة خمسة أيام من عملي
.
وقضيت اليوم الأول نائماً.. واستيقظت.. كانت ابنتي بجواري.. وشعرت لحظتها بأنني أسرق منها السعادة، وأنني لم أعد فخراً لها.. قتلتني هذه الأحاسيس.. فقمت غاضباً..
وألقيت بالسم من النافذة...
وقررت التوقف تماماً عن تناوله، وشعرت بالسعادة،
واحتضنت ابنتي الصغيرة، وابتسمتُ في وجه
زوجتي الفاضلة... وداعبت ابني، وقررت الذهاب
إلى الشركة.. ولكن .. لحظات وانتابني الألم..
وخرجت كالمجنون أبحث عن المسحوق الذي ألقيته في الشارع.. فلم أجده.. وعدت إلى المنزل، وارتديت ملابسي،
 وذهبت إلى -أحد الأحياء الشعبية- كنت قد سمعت عنها
..
وأنَّ في هذه الحارة كل أنواع السموم.. ولكنه ليس بنقاء ما أشتريه من إسطنبول.
والتقيت برجل سألني دون أن أسأله:
-
ماذا تريد؟
- بودرة..
ونظر إليَّ طويلاً.. نظر إلى وجهي..
ثم إلى عيني.. ثم قال:
أنت مُدمن تماماً ...!!
وبقيت صامتاً.. وأخذ كل ما معي من مال واختفى.
ثم عاد بالسم
من جديد... عدت إلى البيت..
تناولت كمية.. فاختفى الألم.
أمرٌ حدث في البيت لأول مرة أرهقني..
قالت لي زوجتي: لا يوجد مصروف في البيت..
لم يكن معي مال إلَّا تلك الوديعة التي وضعتها لابنتي،
وأسرعت إلى
البنك، وحوَّلتها إلى حساب جار،
 وجئت للبيت بمصروفه
..
ومكَّنني ذلك أيضاً من الحصول على ذلك المسحوق اللعين!!!
ذات يوم كنت عائداً من رحلة.. وإذا بشقيقي
الأكبر يدق جرس الباب ويدخل مندفعاً:
هل أعطيت سيارتك لأحد؟
-لا..
-
تذكَّر جيداً..
-
لماذا؟
- إنَّ المباحث قد التقطت رقم سيارتك أثناء
مراقبتها لوكر من أوكار المخدرات!!...
وجاء في التقرير أنَّ قائد السيارة قد اشترى “سماً أبيض” !!...  ومثَّلتُ الدهشة والنسيان .. وقلت إنني فعلاً أعطيتها لصديق ... ولكني أشك أن يكون مدمناً... وهكذا اعتذرت بتجاهل
الموضوع ومضيت
...
سافرت مرة أخرى إلى إسطنبول للحصول على طلبي.
وعند الرجوع .. تقدم إليَّ القائد وطلب مني عدم
ركوب الطائرة معه إطلاقاً .. تظاهرت بالدهشة ..
فأخبرني أنَّه لا يشك في كوني مُدمناً..
وأنَّ في هذا خطراً على حياة الركاب!!..
حاولت أن أثور، ولكنه قال لي: إنَّ الثورة ليست في صالحك...
كل ما أطلبه أن تتجنب الرحلات معي، ولن أُخبر أحداً بذلك...
بعد هذه الحادثة مباشرة.. تزامن اعتذاري عن رحلات كثيرة..
مع رفض قادة الطائرات دخولي الطائرة.
في أحد الأيام ...
طلبني مدير الشركة، وطلب مني أن أُقَدِّم استقالتي من العمل، حاولت في البداية معارضة هذا الطلب، إلَّا أنني وجدت نفسي أمام اختيار صعب.. إمَّا الاستقالة، وإِمَّا التحقيق معي بتهمة ركوب الطائرة وأنا في حالة سيئة بسبب الإدمان..
فقدمت استقالتي وخرجت...
شعور غريب حدث لي..
لقد انهار منزلي، أو هو على وشك الانهيار بسبب هذه الاستقالة..
وفضيحتي بين العاملين والأسرة كبيرة... ولكن كان شعوري
باللامبالاة أقوى..
أخذت سيارتي، واتجهت إلى “تاجري المفضَّل”.
واشتريت منه كمية من “السم الأبيض،
وذهبت إلى البيت... قابلتني محبوبتي الصغيرة، ترفع يديها لأحتضنها كالعادة.. ولكن مازلت في حالة “اللامبالاة”…
فتركتها ودخلت غرفتي.. وبكت ابنتي..
ابنة الخامسة من عمرها.. أغلقتُ الغرفة بالمفتاح..
وتناولت
السم..
ثم طرقت زوجتي باب الغرفة.. وفتحت لها..
-
لماذا عدت مبكراً..؟
- لا أريد الآن أية أسئلة..
-
هل تسمع نصيحتي..؟
اذهب إلى طبيب ليعالجك، واعلم أني
سأقف بجوارك حتى يتم الشفاء...
-
يعالجني من ماذا..؟
- من الإدمان
وثرت من هذا الاتهام. وتحوَّلتُ إلى وحش في البيت يُكسِّر كلَّ شيء.. وابني وابنتي يبكيان.. والزوجة تنظر إليَّ بألم شديد...
وخرجت.. ركبت سيارتي وذهبت إلى أحد المقاهي.. أنظر إلى المارة...ولا أراهم.. يأتي النادل بكوب الشاي وراء الآخر وأحتسيه وأنا في حالة ذهول أو غيبوبة.. ولكني لم أكن في حالة ندم على الإطلاق..مضت ساعات... لا أدري ما إذا كانت كثيرة أم قليلة... وعدت إلى البيت..
لا رغبة لي في العودة.. ولكن لأنَّ السم هناك.. وشعرت بحاجتي إليه.. عندما فتحت باب البيت، وجدت مفاجأة : زوجتي ووالدها... وشقيقي الأكبر... وشقيقي الأصغر الذي يعمل طبيباً..
 الكل في انتظاري
.. ساد - في البداية - صمت رهيب...
مزّق هذا الصمت شقيقي الأكبر
..
-
زوجتك تريد الطلاق.
-
ونظرتُ إليها فأطرقت
برأسها إلى الأرض
وتحدًّث الطبيب: طلب مني أن أذهب معه إلى المستشفى
الذي يعمل فيه... وسألقى رعاية كاملة.. وسيتم العلاج
بالمجَّان.. وستأتي زوجتك للإقامة معك.. وسيذهب
الولدان إلى منزل شقيقنا الأكبر.. وتعود إلى بيتك وعملك مُعافى
بإذن الله تعالى..
رفضتُ الاقتراح ورفضتُ “اتهامهم” لي بأني مدمن.
وتحدثت زوجتي وهي تبكي.. تعرض تفانيها حتى أُشفى.. واتهمتُ الجميع بالجنون.. وطلبتُ من الجميع الخروج من البيت..
وقالت لهم زوجتي وهم يخرجون غاضبين:
-
إنَّه لا يدري ما يفعل.. إنَّه في حاجة إليكم..
ولكني طردتهم..
لم يعد لي دخل أُنفق منه على بيتي.. وكنت أسرق محتويات البيت
وأبيعها.. وأشتري منها هذا المسحوق اللعين، حيث احتاج جسمي
- مع الأيام - إلى كميات أكبر..
كم من مرة حاولت زوجتي منعي من بيع أثاث البيت فلم تتمكن..
وقبل أثاث البيت بعت السيارة، وقبل السيارة، أنفقت الوديعة ...!!
وأَخَذَتْ زوجتي الولدين وخَرَجَتْ.. ولا أعرف
إلى أين ذهبت، ولم أهتم بخروجها، كما لم أهتم بالولدين!!.
بقيت وحدي في البيت المهجور.
ولم يعد
- بعد خروج زوجتي - ما يمكن بيعه.
كنت في حاجة ماسة إلى المال لأشتري هذا
السم” الذي تمكَّن من بقايا جسدي،
لم يكن أمامي سوى التسوُّل أو التجارة في المخدرات..
وفضَّلت التسوُّل.. في اليوم الأول من بداية التسوُّل وأمام أحد محلات بيع المرطبات، اتجهتُ إلى سيارة بداخلها رجل وامرأة..
ومددت يدي.. وكنت فعلاً في شكل يُرثى له، ونظر
إليَّ الرجل طويلاً.. ثم طلب مني الانصراف..
تذكَّرت الرجل والمرأة..
إنَّه زميل لي في شركة الطيران، وهذه زوجته. وربما تعرَّف
على شخصيتي. وعدت إلى البيت المهجور وجلست وحدي.. وبكيت.. نعم ولأول مرة
بكيت منذ أن عرفت هذا السُّم الأبيض، وقررت التوقف..
ولكن كيف؟
كانت هذه المرة الأُولى التي أُقرِّر فيها التوقف منذ ليلة اسطنبول
حتى لحظة القرار في البيت المهجور..
نزلت إلى حارس العمارة. وطلبت منه مبلغاً بسيطاً من المال، كانت هذه المرة الأُولى التي أستدين فيها من الحارس.. وكم أعطيته من قبل.. وأعطاني الرجل ما طلبته..
وذهبت إلى إحدى محطات

الحافلات أسأل عن الحافلة المتجهة إلى إحدى القرى البعيدة عن
المدينة، وأخذت مقعدي فيها ... وانطلقت إلى المجهول الجديد!!!
وصلت إلى إحدى القرى المنعزلة التي أسمع أنَّها خالية تماماً من
المخدرات.. اخترتها انطلاقاً من قول طارق بن زياد:
العدو أمامكم والبحر من ورائكم”.. أي لا مفر من الانتصار.
نزلت من الحافلة جائعاً، متعطشاً بشدة إلى السم الأبيض..
أين أذهب؟.. لا أصدقاء.. لا مال.. لا بيت..
ذهبت إلى المسجد.. نظر إليَّ المصلون بإمعان.. فأنا غريب عن
ديارهم، تقدم إليَّ شاب.. وسألني عن اسمي، وسبب حضوري إلى هذا المكان؟؟؟
- تعبت من زحام المدينة.. وجئت للعمل هنا.
-
وماذا كنت تعمل في مدينتك؟
- لا شيء يُذكر.. ولكن كنت اشتغل بالزراعة... قلت هذا لأنني أعلم أنَّ هذه القرية بحاجة إلى فلاحين - وأنا فعلاً - كانت لي خبرة ودراية قديمة بالزراعة قبل أن يُتوفى والدي رحمه الله تعالى، وقبل أن أنتقل إلى المدينة للدراسة والعمل، حيث كنت أساعده في الأرض.. عرض عليَّ الشاب العمل معه في مزرعته... فوافقت فوراً.. وسألني عن الأجر..؟؟ قلت: كتاب الله تعالى.. ولم يفهم.. قلت: وقليلاً من الغذاء يكفيني.. ودُهش الشاب من هذا الأجر..!! ووافق فوراً..
أصبح لي غرفة في أرضه، ومعي كتاب الله تعالى، وأمامي أشجار
بحاجة إلى رعاية.. فوق كل هذا..
هل سأتمكن من الاستمرار بدون هذا السم؟
ما إن أغلقت الباب.. بعد أن ودَّعني الشاب.. حتى شعرت بآلام شديدة... فأخذت أبكي وأصيح.. وأُمزِّق جسدي بأظفاري،
وأحاول أن أحبس صرخاتي حتى
لا يسمعني أحد.
تمكَّنت خلال هذه اللحظات من فتح كتاب الله تعالى وأخذت أتلو
منه، وكلما اشتد الألم، ارتفع صوتي بالتلاوة.. لا أدري.. كم
استغرقت هذه المعركة.. ساعة.. ساعتين.. ثلاث ساعات.. أم يوماً كاملاً.. وربما عدة أيام.. رحت بعدها في سُباتٍ عميق...
استيقظت من نومي، أحسست أنني قادم من رحلة بعيدة، رحلة مخيفة من باطن الأرض، شاهدت خلالها: وحوشاً غريبة،
كبيرة الحجم لها عيون ضيقة مُخيفة..
وألسنة كثيرة طويلة مرعبة.
شاهدت حيوانات صغيرة مفزعة ومفترسة.
كل هذا الجيش من تلك الوحوش يطاردني خلال رحلة نومي.
لم يكن بالغرفة أحد.. فتحت النافذة، شاهدت الأرض، والأشجار
الخضراء، حاولت أن أستنشق هواءً نقياً لم يتلوَّث، لم أشعر بالجوع، لكني أريد أن أشرب نهراً بكامله. وجدت زجاجة فيها ماء، كان ساخناً من حرارة الجو، فشربت منه الكثير، واستلقيت على السرير..
بعد فترة.. جاء الشاب، يحمل صينية عليها إفطار من
إنتاج المزرعة: كوب من الحليب، عدد من البيض،
نوعان من الجبن، وكمية من العسل... وأخبرني بأنني قد أُصبت بالحُمَّى.. وأنني قضيت ثلاث ليالٍ في الغرفة..
وأنَّ طبيباً ظل بجانبي خلال هذه الفترة.. شكرت الشاب.. وسألته عن سر اهتمامه بي.. فقال لي : إنَّ شاباً يطلب كتاب الله تعالى أجراً لعمله، ألا يستحق كل هذه الرعاية؟؟
جلس معي دقائق ثم خرج، وترك الصينية بما عليها، وألحَّ عليَّ أن أتناول شيئاً، فالحُمَّى بحاجة إلى غذاء..

بعد لحظات.. بدأت المعركة الشرسة..

عدت إلى كتاب الله تعالى أتلو منه.. توقفت طويلاً عند هذه الآية:
وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)النحل


عندها ذهبت إلى طبق العسل الموجود أمامي... وأجبرت نفسي
الرافضة على تناوله.. تناولت كل العسل.. أحسست بعدها بارتياح
كبير، وشربت الماء، وعدت إلى كتاب الله - عزَّ وجل- أقرأ فيه.
لا أدري كم قضيت مع تلك الكوابيس التي
أخذت تتلاحق واحداً وراء الآخر.. أحسست أنَّ
المسحوق اللعين” كشيطان في جسمي..
يخرج بصعوبة.. ولكن حقيقة أسعدتني.. أنني كرهت هذا السم، وسوف أُفضِّل الموت على الإقدام عليه مرة أخرى...
أمر آخر أسعدني وشجعني على مواصلة الرحلة الأليمة،
لقد تذكَّرتُ اليوم - فقط - طفلتي الجميلة التي
أحببتها حباً جماً. تذكَّرتُ ابني الصغير.. تذكَّرتُ زوجتي الفاضلة..
تذكَّرتُ شقيقي الأكبر.. وشقيقي الطبيب الشاب.
تذكَّرتُ رحلة الكفاح الطويلة التي خضتها من القرية حتى مكاني في طائرة فوق السحاب...
وجدت صاحب المزرعة وقد ترك لي طبقاً مليئاً بالعسل...
ولا أدري.. وجدتني أذهب أتوضأ.. وعدت إلى غرفتي لأصلي...
ولكن أي صلاة..؟؟
صلاة الفجر؟؟ أم صلاة الظهر؟ أم صلاة العصر؟ أنا لا أدري الوقت؟؟؟
ولكني صليت عدة ركعات شكراً لله تعالى، شعرت أنَّ ذلك الشيطان
الذي سكن في جسدي يستعد للرحيل.
ظل هذا الصراع ممتداً لا يقل عن خمسة عشر يوماً، بعدها خفَّ
الألم، وتوقفت الدموع، وقلَّ العرق، وغابت الكوابيس...
طلبت من صاحب المزرعة أن أبدأ العمل.. ووافق على ذلك.
كنت أستيقظ في الصباح الباكر، أُؤدي صلاة الفجر، وأتناول العسل.. ثم أتلو القرآن الكريم حتى تبزغ الشمس تماماً، فأخرج إلى الحقل وأسقي الزرع، أُقلِّب التربة بالفأس، أشق القنوات للمياه.. وعندما أُصاب بالإرهاق أعود إلى غرفتي، وأنام.
في البداية.. كنت أنام كثيراً.. ثم قل النوم رويداً رويداً...
وبعد عدة أسابيع، أحسست أنَّ الشيطان قد خرج تماماً من جسدي
بحمدالله تعالى.
جلست مع صاحب المزرعة، أروي له حكايتي..
وكانت مفاجأة لي أنَّه كان
يعلم من الطبيب أنني مدمن، وشعر أنني جئت للعلاج من الإدمان...
بعد فترة قصيرة.. شفيت تماماً بفضل الله - سبحانه -.
بعد عدة أشهر... عُدت إلى مدينتي لأُعيد أسرتي...
لقد ابتعدت عن هذا الشيطان..
وكنت أفكر في مصير عائلتي... في ابنتي الصغيرة... في ابني...
تصورت أشياء كثيرة...
تصورت - مثلاً - أنَّ زوجتي تمكنت من الحصول على الطلاق، وتريد الزواج برجل آخر.. أرعبني هذا التصور،
وخشيت أن يحطمني لو
تحوَّل إلى واقع.. ولكن قلت لنفسي:
على الأقل سأعود بابني وابنتي إلى هذا المكان النظيف
الذي لم يتلوَّث.
ألم أقل لكم في بداية هذا الاعتراف..
 
أنني تزوجت امرأة فاضلة..
لقد وجدت زوجتي تعيش مع والدها الرجل الطيب، وكانت في
انتظاري، كانت متأكدة أنني سوف أُشفى. وسأعود قوياً منتصراً بإذن الله - تعالى-. وكان لقاءً رائعاً بيني وبين أسرتي..
-
سألتني زوجتي ماذا كان الدواء؟
قلت: كتاب الله - تبارك وتعالى -..
قالت: الله أكبر
.
قررت أنا وزوجتي أن نهاجر إلى تلك القرية، نعمل في تلك المزرعة...  نعيش فيها .. ونأكل من خيراتها..
هذه اعترافات كاملة
لشاب قهر “السم الأبيض” في معركة شرسة، توكَّل فيها على الله
سبحانه، واستعان فيها: بكتابه عزَّ وجل...
ثم بشراب فيه شفاءٌ للناس... وبعزيمة لا تلين... وقرار لا عودة فيه...

 

تحميل

1.16 م ب
اقرأ ايضا

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3215 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3590 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3743 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟